السيد محمد باقر الصدر
57
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )
هذه بعض الصور الرائعة التي يقدّمها الدين مثالًا على الأسلوب الأوّل الذي يتّبعه للتوفيق بين المقياسين وتوحيد الميزانين ، فيربط بين الدوافع الذاتية وسبل الخير في الحياة ، ويطوِّر من مصلحة الفرد تطويراً يجعله يؤمن بأنّ مصالحه الخاصّة والمصالح الحقيقية العامّة للإنسانية - التي يحدّدها الإسلام - مترابطتان « 1 » . وأمّا الأسلوب الثاني الذي يتّخذه الدين للتوفيق بين الدافع الذاتي والقيم أو المصالح الاجتماعية فهو : التعهّد بتربية أخلاقية خاصّة تعنى بتغذية الإنسان روحياً ، وتنمية العواطف الإنسانية والمشاعر الخُلُقية فيه . فإنّ في طبيعة الإنسان - كما ألمعنا سابقاً - طاقات واستعدادات لميول متنوّعة : بعضها ميول مادّية تتفتّح شهواتها بصورة طبيعية كشهوات الطعام والشراب والجنس ، وبعضها ميول معنوية تتفتّح وتنمو بالتربية والتعاهد ؛ ولأجل ذلك كان من الطبيعي للإنسان - إذا تُرِك لنفسه - أن تسيطر عليه الميول المادّية ؛ لأنّها تتفتّح بصورة طبيعية ، وتظلّ الميول المعنوية واستعداداتها الكامنة في النفس مستترة . والدين باعتباره يؤمن بقيادة معصومة مسدَّدة من اللَّه ، فهو يوكل أمر تربية الإنسانية وتنمية الميول المعنوية فيها إلى هذه القيادة وفروعها ، فتنشأ بسبب ذلك مجموعة من العواطف والمشاعر النبيلة ، ويصبح الإنسان يحبّ القيم الخُلُقية والمثل التي يربّيه الدين على احترامها ، ويستبسل في سبيلها ، ويزيح عن طريقها ما يقف أمامها من مصالحه ومنافعه . وليس معنى ذلك أنّ حبّ الذات يُمحى من الطبيعة الإنسانية ، بل إنّ العمل في سبيل تلك القيم والمثل تنفيذ كامل لإرادة حبّ الذات ؛ فإنّ القيم بسبب التربية الدينية تصبح محبوبة للإنسان ، ويكون تحقيق المحبوب بنفسه معبِّراً عن لذّة شخصية خاصّة ، فتفرض طبيعة حبّ الذات بذاتها السعي لأجل القيم الخُلُقية
--> ( 1 ) انظر اقتصادنا ، مبحث : المادية التاريخية والمشكلة